Skip to content

مات مؤتمر جنيف الثاني عاش مؤتمر جنيف المقبل

by sur 3 février 2014

د.ماري ناصيف – الدبسmarinacif

انتهى « مؤتمر جنيف الثاني » حول الأزمة السورية قبل أن يبدأ، كما كان متوقّعاً له أن ينتهي بالفشل.ِ
فهذا المؤتمر، الذي تأجّل لمرات عدّة، لم يستطع أن يفتح ولو ثغرة صغيرة باتجاه الحل السياسي. هكذا أراده الداعون له والمشاركون فيه منذ أن قرروا الدعوة له، بالنسبة للبعض الأول، أو المشاركة فيه، بالنسبة للبعض الآخر. والأدلة على ذلك كثيرة ومتشعبة. أهمها أن الطرفين الراعيين، الولايات المتحدة وروسيا، ليسا على وئام في ما يتعلّق بتفاصيل الحل المرتقب، وفي المقدمة منها مصير بشار الأسد بعد انتهاء ولايته وشكل النظام المقبل، ناهيك عن تداعيات الخلاف حول مشاركة إيران في المؤتمر وكذلك وقع أحداث أوكرانيا على الجانب الروسي، بعدما تأكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الجانب الأميركي (وليس فقط الاتحاد الأوروبي) له اليد الطولى فيها، بهدف محاصرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عبر إسقاط أحد حلفائه الأساسيين ووضع اليد على أحد البلدان القلائل التي لا تزال تدور في الفلك الروسي…
وإذا ما أضفنا إلى ما تقدّم الخلافات التي تعتري المعارضة السورية الخارجية، والمعارك الدائرة بين فصائلها، والتوجهات المتناقضة التي تتلقاها من الأطراف الإقليمية الداعمة لها، بدءاً بالسعودية وانتهاء بتركيا، والتمثيل المنقوص لهذه المعارضة سورياً وإقليمياً، لقلنا أن « مؤتمر جنيف الثاني » لن يكون أفضل من الذي سبقه وسينتهي بإعلان مبادئ جديد يأخذ منه كلّ من الطرفين المتصارعين ما يتلاءم وأجندته وبما لا يتناقض والمخطط العام الموضوع من قبله

الشروط والشروط المضادة
والملفت منذ اليوم الأول لانعقاد المؤتمر أن الخطب التي ألقيت تميزت بسقوف مرتفعة لا تترك إمكانية كبيرة للتفاهم أو حتى للمساومة، إن من جانب رئيسي الوفدين السوريين أم من جانب الدول الراعية للمؤتمر أو المشاركة في أعماله.
فمن جهة المعارضة السورية الآتية من الخارج، ركّز أحمد الجربا، باسم « الائتلاف الوطني »، على بند واحد وحيد من بنود « مؤتمر جنيف الأول »، الذي استندت إليه رسالة بان كي مون، وهو تشكيل حكومة انتقالية تسهل إيجاد حل سياسي للأزمة؛ وانتقل منه إلى مطالبة الوفد الحكومي بتوقيع وثيقة تنقل بموجبها صلاحيات رئيس الجمهورية السورية بشار الأسد إلى مثل هكذا حكومة كمقدمة لتنحيته ومحاكمته « مع كل من أجرم من رموز حكمه ».
أما من الجهة الثانية، فقاد الوزير وليد المعلّم هجوماً على المعارضة متهماً إياها بالخيانة كونها « باعت نفسها لإسرائيل » وساهمت في تسهيل « الإرهاب الدولي » على سوريا وفي إضفاء صفة الشرعية عليه. وبعد أن ردّ على الموقفين السعودي والتركي، أعلن رفضه لأطروحات المعارضة حول الحكومة الائتلافية، « فالسوريون هم من يمنح الشرعية للرئيس »، وأكد أن سوريا « ستقوم بكل ما يلزم للدفاع عن نفسها بالطرق التي تراها مناسبة، ودون الالتفات إلى كل الصراخ والتصريحات والبيانات والمواقف التي أطلقها كثيرون ».
هذان الموقفان، عموماً، نجدهما كذلك في تصريحات وخطب كل الذين تعاقبوا على الكلام في اليوم الأول، الافتتاحي.
فالوزير سعود الفيصل ومعه أمين عام الجامعة العربية توسّعا في ما طرحه قبلهما أحمد الجربا وأسهما في تسهيل مهمة الوزير الأميركي جون كيري الذي طالب باستقالة بشار الأسد كمقدمة لأي حل ممكن. أما سيرغي لافروف، فحذّر من مغبة ما أسماه « الإصلاح من الخارج »، منبهاً إلى الانعكاسات الخطيرة لمثل هذا الأمر على كل دول المنطقة التي تمر في ظروف صعبة، قبل أن ينسحب هو والوفد المرافق وكأنه يقول إن كل شيء انتهى.

الأسباب الظاهرة والكامنة
ما هي الأسباب الكامنة وراء كل ذلك، بل لماذا وافق النظام السوري على حضور مؤتمر جنيف الثاني، وما هي دوافع المعارضة الخارجية في ملاقاته إلى منتصف الطريق قبل أن يسعى الطرفان للانسحاب من الحل السياسي فعلياً، وإن استمرا في متابعة المحاججة، إنما على مستوى الخبراء؟
لا شك أن السبب الأول هو ما يجري على أرض الواقع. فلقد كان النظام وكذلك المعارضة يتوقعان تغيّرات عسكرية ملموسة، انطلاقاً من الهجمات التي شنت في النصف الأول من العام 2013. إلا أن أحداً منهما لم يستطع، في الأشهر الثلاثة الماضية، أن يجري تعديلاً في موازين القوى لصالحه، على الرغم من كل عمليات الكر والفر التي طالت بنارها قسماً من الحدود اللبنانية.
فالانتصار في معركة القصير بقي انتصاراً يتيماً بالنسبة للنظام الذي لم يفلح في تغيير موازين القوى في أكثر من مكان، إن في القلمون أم في حلب وغيرهما. كما أن اشتداد الأزمة المعيشية في الداخل السوري، مترافقاً مع توسع دور المافيات المقربة من بعض مواقع الحكم، والتخبط الذي ساد قرارات الوزراء وقيادات الأجهزة، قد أعطى انطباعاً أن النظام إلى تراجع، وأنه يعاني أزمة شاملة، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. أما طغيان صور القتل المجاني على معارك المعارضة، فقد أسهم في اهتزاز صورتها أمام الرأي العام السوري قبل غيره، خاصة بعد سيطرة القوى السياسية التكفيرية عليها والفظائع التي ارتكبتها كل من « دولة الإسلام في العراق والشام » (داعش) و »جبهة النصرة » ضد المدنيين. أضف إلى ذلك تزايد أعداد المهجّرين وزيادة الدمار والخراب في كل المناطق السورية دون استثناء. لذا، كان لا بد من فرض هدنة مؤقتة طمح فيها النظام والمعارضة من أجل تلميع الصورة المكفهرة، هدنة معطوفة على حاجة الولايات المتحدة وروسيا إلى مراجعة للوضع على صعيد كل منطقة الشرق الأوسط ولحصة كل منهما في مشروع إعادة ترتيب منابع النفط والغاز المكتشفة حديثاً في شرق البحر الأبيض المتوسط… هذه الهدنة أعادت تعبيد الطريق أمام مؤتمر جنيف الثاني الذي كان قد أجّل مراراً.
وإذا كان الأمر منطلقاً إما من هدنة أو من مراجعة للواقع من أجل إعادة صياغته، فهذا لا يعني وجود نيّة للسير باتجاه الحل. وهذا ما حدا بالكثيرين إلى توقع الفشل لمؤتمر جنيف الثاني كونه يجمع بين طرفين متشابهين في الجوهر، إنما مختلفان على مسألة من يمسك بمقاليد السلطة وما يترتب على ذلك من صراع دولي – إقليمي على موقع سوريا في خريطة الأحلاف. طرفان، فيهما ممثلين أصيلين للبرجوازية السورية ولكبار رجال الأعمال ولهما تقريباً الموقف نفسه، المؤيد للسياسات الاقتصادية والاجتماعية النيوليبرالية التي وضعها ممثل صندوق النقد الدولي، الدردري، والتي قضت على كل الانجازات التي تحققت في مجالي الصناعة والزراعة، فشكلت الشرارة الأولى للأزمة السورية وللتحركات الشعبية التي انطلقت منذ ما يقارب السنوات الثلاث.

كيف ننظر إلى المستقبل؟
لكل هذه الأسباب مجتمعة، فشل مؤتمر جنيف في تحقيق ما كان يجب أن يحققه، وبالتحديد البحث بكيفية وقف كل الأعمال العسكرية والانطلاق إلى التفتيش عن طرق الوصول إلى الحل السياسي للأزمة، ومعه البحث بمسألتين أساسيتين.
أولى هذه المسائل تتعلّق بكيفية معالجة قضية التهجير التي بلغت مستويات غير مسبوقة، إذ أصبح عدد المهجّرين السوريين في الداخل والخارج ما يقارب التسعة ملايين بحسب تقارير الأمم المتحدة الصادرة في أواخر العام الماضي والتي تتحدث عن كلفة سنوية إجمالية تقترب من 54 مليار دولار أميركي، الأمر الذي ينعكس سلباً على اقتصاديات الدولة السورية والبلدان المضيفة.
أما المسألة الثانية فتتعلّق بإعادة الإعمار التي يقال أن تكاليفها حتى الآن تقدّر بمائتي مليار دولار أميركي… والحبل على الجرّار، كما يقال، في حال استمرت المعارك وتوسّعت لتشمل مناطق جديدة. وانطلاقاً مما يجري في العراق بعد العام 2003 وخاصة من التجربة اللبنانية غداة الحرب الأهلية (التي دمّرت وسط بيروت وسلمته إلى شركة سوليدير) ومن تهافت الدول الأجنبية والعربية سعياً وراء توظيفات مربحة، وما أنتجته لنا مؤتمرات باريس من مآسٍ في هذا المجال، ندرك خطورة هذا الملف على الوضعين السياسي والاقتصادي- الاجتماعي. إذ أن المديونية العالية ستخضع سوريا أكثر فأكثر للنهب الامبريالي المباشر، عدا عن املاءات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي؛ وسيكون هنالك صراع على الهيمنة على مقدراتها بين الامبريالية الأميركية وروسيا وغيرهما، الأمر الذي سيترجم في عدم استقرار الأوضاع الاقتصادية وزيادة حدّة التوترات المذهبية.
كل ذلك سيمنع الشعب السوري من تحقيق أهدافه في التغيير الديمقراطي. فما هو مطروح عليه في المدى المنظور هو إما الإبقاء على النظام، خوفاً من الآتي باسم التعصّب المذهبي الأعمى، والذي سيؤدي إلى التفتيت لا محالة، وإما إيجاد تسوية بين أركان النظام وممثلي البرجوازية في المعارضة منعاً للتفكك والشرذمة. وفي كلتا الحالتين مصيبة. خاصة وأن أفق التغيير الديمقراطي مسدود بسبب عدم تحرك القوى ذات الطابع الجذري والبعد الوطني والمصلحة في التغيير.

« النداء » – العدد 230 – 31 كانون الثاني 2014

From → Uncategorized

Laisser un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :