Skip to content

دينامية وتناقضات السيرورة الثورية

by sur 6 mars 2014

من مجلة  » التحرر »

 شوقي لطفي :Publié le 26/02/2014 par 

مقدمة

امام سيرورة ثورية غير متوقعة وفي غياب رؤية راهنية لمسائل الثورة، وجد اليسار الثوري العربي نفسه متخبطا في فهم هذه مجريات وتناقضات سيرورة تجري خلافا لرؤية موروثة عن الثورات الماضية. فهناك من شكك في شرعية السيرورة متهما ما يجري بمؤامرة خارجية ، وهناك من تماهى مع الحركة الى حد انكار ضرورة تبني استراتيجية سياسية مستقلة توجه مواقفه وسلوكه. وبينهما قسم دعا الى الانخراط في الثورة ليتراجع في منتصف الطريق مصطفا خلف نفس النظام الذي دعا الى اسقاطه. وبدل اتهام النظام امسى يوجه اتهامه الى الثورة التي انحرفت من منظوره عن الطريق المستقيم، منتظرا عودتها يوما ما الى صوابها للانخراط في مسارها.

لقد باث من الضروري مسائلة منظوراتنا للعديد من القضايا السياسية المرتبطة بالمشروع الثوري، كما باث من الملح تحيين دروس التجارب الثورية الماضية، على ضوء دروس الموجة الاولى من السيرورة الثورية التي يعرفها العالم العربي والمغرب الكبير،  لبحث اي من هذه المكتسبات لا زالت تكتسي راهنيتها وأي منها يستدعي التحيين او المراجعة

خصوصيات السيرورة الثورية الجارية

هناك سمتان طبعتا الانتفاضات الشعبية التي عرفها العالم العربي مع مطلع بداية العقد الحالي.

تتمثل السمة الاولى في عدم بروز الطبقة العاملة (بمفهومها التقليدي) كطبقة في هذه الانتفاضات (على الاقل في بداياتها) وتراجع مكانة جماهير الفلاحين وصعود جماهير شعبية مهمشة قادمة من أطراف المدن والقرى،غير مرتبطة بالمعامل والأرض وتعتمد في كسب قوتها على اقتصاد معيشي يوجد على هامش مسلسل الإنتاج المهيمن.

اما السمة الثانية، فتتمثل في تراجع المراكز والتركزات والقلاع الكلاسيكية للثورة. فقد انطلقت معظم الانتفاضات الشعبية، على الاقل في بدايتها ، من اطراف المدن المركزية وضواحيها و شكلت الاحياء والقرى المهمشة بؤرا لانفجار الغضب الشعبي (سيدي بوزيد، رديف، المكلا، تعز، درعا، صحار، بنغازي، طنجة، الحسيمة، الإسكندرية، السويس،…).

وتتمثل السمة الثالثة في صعود جيل جديد لا تشكل التيارات السياسية والإيديولوجية التاريخية مرجعية لفعله ونشاطه الثوري.

اما السمة الرابعة فتتمثل في بروز حركة احتلال الميادين والساحات التي شكلت مركزا لتشكل « حركات ثورية شعبية » لفت جماهير شعبية واسعة (الشغيلة بدون اجر والعاطلين ) وفئات اجتماعية وقطاعات مهنية تضرر وضعها الاجتماعي والمهني جراء استهدافها من قبل السياسات اللاشعبية (موظفي القطاع العام، مستخدمي قطاع الصحة، قضاة، محامون، تلاميذ…).

تعكس هاته السمات التي ميزت السيرورة الثورية في مختلف البلدان، تحولات عميقة في البنية الطبقية لهذه المجتمعات كما تعكس طبيعة تناقضات الرأسمالية في هذه البلدان وشكل انفجارها. والاهم من ذلك فهي تسلط الضوء على خصوصيات مسلسل الصراع الطبقي خلال هذه المرحلة. قبل الدخول في نقاش هذه السمات لا بد من الجواب عن سؤال:

هل كان للطبقة العاملة دور في هذه  السيرورة الثورية ؟

اذا ما انطلقنا من تعريف مختزل وضيق للطبقة العاملة (عمال المعامل والضيعات الزراعية) فسنكون امام سيرورة ثورية قاعدتها الاجتماعية غير عمالية. لكن اذا ما انطلقنا من تعريف الطبقة العاملة كطبقة المكرهين على بيع قوة عملهم للعيش بغض النظر عن موقعهم في سيرورة الانتاج الرأسمالي ووضعهم في سوق الشغل ( البروليتاريا في القطاع غير المهيكل وجماهير العاطلين والشبيبة الشعبية المهمشة والموظفين في القطاع العام ) فسنكون امام سيرورة ثورية قاعدتها الاجتماعية عمالية وشعبية.  وهو يلزمنا بإعادة صياغة السؤال السالف طرحه على الشكل التالي: هل كان للشغيلة كطبقة من دور سياسي مستقل في هذه السيرورة؟

 

صحيح ان الانتفاضات الشعبية لم تكن امتدادا مباشرا لإضرابات عمالية ، لكن سلاح الإضراب العام لعب دورا حاسما في تغيير موازين القوى بين النظام والشعب. ففي مصر لعبت اضرابات عمال المحلة والسويس والتهديد بالإضراب العام دورا حاسما في عزل النظام و ارغام حسني مبارك على التخلي عن الحكم. اما في تونس فقد شكلت الاضرابات عاملا مؤججا للاحتجاجات الشعبية و جسرا لتوسع الحركة الاحتجاجية وتجدرها في الاوساط الشعبية. كما لعب الاضراب العام دورا حاسما في ارغام بنعلي على الرحيل. وفي البحرين انطلقت الانتفاضة الشعبية بإضراب لعمال قطاع البناء(1300 عامل) من اجل الزيادة في الاجور. وفي عمان شكل الاضراب العام في قطاع الوظيفة العمومية واعتصام العاطلين الشرارة التي اشعلت الاحتجاجات الشعبية .

اما في اليمن فقد شل العصيان المدني الشامل في صنعاء وتعز الحياة الاقتصادية والتجارية مما ارغم قطاعات كانت موالية للنظام على الانضمام للثورة وهو ما شكل تغييرا حاسما في ميزان القوى بين النظام والشعب .

لكن رغم هذا الدور الحاسم للشغيلة في الانتفاضات الشعبية، فان المشاركة العمالية، على الاقل خلال الموجة الاولى للسيرورة الثورية، لم تتجاوز حدود المطالبة بحقوق اجتماعية ذات بعد قطاعي ومهني. صحيح ان هذه المطالب الاجتماعية الخاصة كانت مندمجة بالمطالب السياسية الديمقراطية لمجموع الحركة الثورية ، لكن الشغيلة ، كطبقة اجتماعية ، لم تلعب دورا سياسيا مستقلا في هذه السيرورة الثورية، سواء قبل او بعد سقوط الانظمة. فرغم الدور الذي لعبته الاضرابات في توسيع نطاق الحركة الاحتجاجية وتحفيز جبهات متعددة للنضال واعطاء بعد جماهيري للحركة الاحتجاجية ، فان حركة الاضرابات العمالية لم تتطور الى حركة ممركزة للحركات الاحتجاجية وهو ما لم يسمح ببروز الشغيلة كقوة اجتماعية وسياسية مستقلة للتنافس على مركز قيادة المعركة الديمقراطية.

وحتى بعد سقوط الانظمة في تونس ومصر ، بقيت المسالة الاجتماعية محصورة في رفض السياسيات الاجتماعية اللاشعبية (الحد الادنى للأجور، الغاء العمل بالعقدة ، الأسعار،الحريات النقابية واستقلال المنظمات النقابية….) ولم تتعداه الى مطالب سياسية ذات بعد طبقي.

و بالمقابل تقدم تجربة سوريا وليبيا والمغرب والجزائر، حيث كانت المشاركة العمالية ضعيفة او منعدمة، دليلا اخر على  الدور الحاسم  للشغيلة في تجدير وتعميق السيرورة الثورية او انحسارها .

تحولات التشكيلة الاجتماعية في بلدان المنطقة

تعكس الانتفاضات الشعبية التي عرفتها بلدان العالم العربي تناقضات منطق نظام التراكم الرأسمالي السائد في هذه البلدان . وهي تناقضات تخترق كل الطبقات وتمس كل الشروط المادية والاجتماعية ولا تنحصر في التناقض المباشر بين الرأسمال والعمل (توزيع الفائض الانتاجي بين العمل والرأسمال). كما تعكس من جهة اخرى التحولات العميقة التي عرفتها التشكيلات الاجتماعية في هذه البلدان خلال العقود الاخيرة.

صحيح ان المنطق نفسه يسود في مختلف مناطق العالم (بتفاوت طبعا) إلا انه يكتسيفي منطقة العالم العربي طابعاً خاصاً، نظراً لتخلف الرأسمالية في هذه البلدان وعجز الرأسمال الفعلي (المنتج)عن استيعاب وإدماج طبقات وقطاعات واسعة من المجتمع في سيرورة الانتاج وتوزيع فائض الانتاج الاجتماعي. فليس هناك جماهير مستغلة ومضطهدة فقط، بل هناك قطاعات واسعة من الشعب على هامش « القطاع الرأسمالي  » و « المجتمع البرجوازي » في وضع محجوز بفعل عجز نظام التراكم الرأسمالي عن توفير حد ادنى من شروط الحياة في القرن الواحد والعشرين.

يترافق هذا الاقصاء الاقتصادي والاجتماعي مع وجود أنظمةاستبداديةو طغمة حاكمة طفيلية أمعنت في احتقار وادلال شعوبها ونهب ثرواتها، و تراكم عقود من الحرمان الاجتماعي والكبث السياسي والغطرسة العنصرية والاستعمارية التي تعامل بها الامبريالية شعوب المنطقة.

بفعل هذه العوامل، أصبح نمط التراكم الرأسمالي السائد عائقا امام تقدم اجتماعي وأمسى الاستبداد والغطرسة الامبريالية عقبة امام أي تطور سياسي او تحول ديمقراطي . فأصبحت المنطقة برمتها قابلة للانفجار في أي لحظة وتحت تأثير أي من عوامل التفجير( احتراق البوعزيزي ، توريث الحكم ، العفو على مغتصب الاطفال… ). هذا ما جعل وسيجعل الثورات الشعبية تباغت الانظمة و القوى الثورية على السواء.

إن التحولات العميقة التي عرفتها التشكيلات الاجتماعية في المنطقة العربية تضع اليسار الثوري أمام تحدٍّيات جديدٍة، لا يمكن مجابهتها دون مراجعة عميقة لمنظوره للعديد من المفاهيم والقضايا السياسية ، كمسألة التحالفات ومعايير تحديد القوى الاجتماعية المحركة للسيرورة الثورية. فقد ابانت هذه السيرورة عن الدور المتزايد للشباب وسكان الأحياء الشعبية وعمال القطاع غير المهيكل في الصراع ضد الطبقات السائدة، كما ابانت هذه التجربة عن وقدرة هذه الكتلة الشعبية على تشكيل طليعة اجتماعية للنضالات والاحتجاجاتالشعبية.

صعود جيل جديد

تميزت السيرورة الثورية الراهنة باقتحام اجيال جديدة لحلبة الصراع السياسي وهو ما انعكس في فرز قوى وحركات ثورية متباينة ، ليس فقط من حيث قاعدتها و تطلعاتها الاجتماعية، بل ايضا من حيث تجربتها وأشكال تدخلها وتنظيمها. ويمكن بشكل عام تصنيف القوى التي شكلت القطب الشعبي داخل هذه السيرورة ضمن ثلاثة حركات تتقاطع فيما بينها تارة وتنفصل تارة اخرى:

–     الحركة الديمقراطية: تضم مجموعات وشبكات تشكلت في السابق على قاعدة الدفاع عن حقوق الانسان والحريات السياسية. وهذا ما يفسر ضعف اهتمامها وتدخلها في المطالب الاجتماعية والشعبية اما بسبب بدينامية المسالة الاجتماعية  في المعركة الديمقراطية أو بسبب عدم إلمامها بالواقع الاجتماعي.

–     الحركات الشعبية: وتضم قطاعات عمالية وشرائح واسعة من كادحي وشباب الأحياء الشعبية المهمشة.

–     الحركة العمالية: وتمثلت في بعض القطاعات العمالية من مأجوري القطاعين العام والخاص. وقد ارتبطت بالحركة الاحتجاجية من خلال الحركة النقابية المستقلة او من خلال تنظيمات نقابية متمردة على الاجهزة الرسمية (مصر) او القيادات البيروقراطية المحافظة (تونس).

ضمن هذه الحركات لعب الشباب دورا طليعيا لكن لم تبرز حركات سياسية خاصة بالشباب،  وهذا يستدعي بحثا خاصا بأشكال تجدر الشباب في هذه المجتمعات و اشكال تعبيره السياسي والتنظيمي .

رغم ديناميتها الاجتماعية والطبقية، فان خصوصيات هذه السيرورة الثورية (سيرورة تدمج بين قطاعات اجتماعية وطبقية متعددة ومطالب فئوية وقطاعية و سخط شعبي عام) جعلت من الصعب تشكل قطب اجتماعي وسياسي ثوري منسجم او صعود قوة سياسية ثورية تتمتع بأهمية استراتيجية ونفوذ سياسي يسمح لها بتنظيم مختلف القوى والحركات وقيادتها خلف رايتها السياسية.لم يكن هذا ممكنا وذلك لسببين على الاقل:

الاول مرتبط بمكانة ودور الفعل المباشر والنضال الملموس في تشكل القوى الثورية ، والثاني مرتبط بتعددية القوى والحركات الثورية واختلاف اشكال تنظيمها. مما جعل مسالة التحالفات وطرق بناء هيمنة عمالية وشعبية على الصعيدين السياسي والاجتماعي تطرحان بشكل مختلف وفي شروط غير مسبوقة.

فقد خلقت تناقضات نظام التراكم الرأسمالي السائد في المنطقة ، قاعدة مادية لمصالح مشتركة بين قطاعات شعبية واسعة

و وفرت الشروط الموضوعية لتشكل قطب شعبي واسع ، يتمتع بنفوذ سياسي واجتماعي وله القدرة على تغيير موازين القوى. وهو ما فتح لأول مرة في تاريخ المنطقة ، امكانية موضوعية لبناء تحالف شعبي واسع للنضال من اجل بديل ثوري. لكن تحقيق هذه الامكانية الموضوعية كان يتوقف على مدى قدرة الثوريين على بناء هذا التحالف وعلى امتلاكهم للبرنامج والإستراتيجية الثورية. ان غياب هذا الشرط الذاتي هو ما ميز السيرورة الثورية الجارية العالم العربي.

تجدد اشكال التعبير والنضال والتنظيم 

لم تكنالميادين والساحات مجرد منبر للتعبير عن شرعية اجتماعية و سياسية البديلة ( شرعية « الشعب يريد »)، بل شكلت ايضا الية للحشد الشعبي ضد سلطة مفرطة في القمع ووسيلة لمركزة الحركة الاحتجاجية وتوحيدها في غياب منظمات سياسية وشعبية قادرة على ذلك. و للتذكير فإن عدد المشاركين في بداية الاعتصام بميدان التحرير لم يكن يتجاوز  50000 متظاهر.كما تعكس حركة إحتلال الميادين والساحات تحولا نوعيا في مسلسل نضال شعوب المنطقة. نحن ازاء مسلسل نضالي جديد تلعب فيه الأحياء الشعبية والتجمعات السكنية دورا محوريا في تنظيم وتعبئة الجماهير الشعبية المدررة (معظم المظاهرات خرجت من الاحياء في اتجاه « الميادين »). وهو ما يعكس ارادة الجماهير في تحرير الفضاء العام من مظاهر القمع والبطش، والرغبة في تحويله الى فضاء حر للتعبير المباشر عن مطالب وهموم الكادحين دون وساطة. وهذا ما يفسر دور الشوارع والميادين في توسيع المشاركة الشعبية وقدرتها على تذويب جليد الخوف والتردد لدى قطاعات واسعة من السكان.

لكن اشكال التعبير والفعل الشعبي المباشرة هذه ، لم يكن بوسعها ان تكتسب فعاليتها وجدريتها وجماهيريتها لولا ترافقها مع شعارات جذرية وبروز قطاع وازن من الشعب قادر ومستعد للذهاب الى ابعد من  استجداء الحكام و استعطافهم. فقد كان شعار « ارحل » وهو يدوي في ميادين التحرير بمثابة امر من الشعب الى الحاكم بالرحيل. وعلاوة على القيمة المعنوية لهذا الشعار، فهو يعبر عن ارادة عميقة لدى المضطهدين في التخلص الى الابد من وضعهم كرعايا ورفضهم الاستمرار في طاعة حكام مستبدين وغير جديرين بالاحترام.

ومن جهة أخرى ، وهذا ما ينبغي استخلاصه، فقد سمحت ادوات وأشكال التعبير والفعل المباشر بالقطع مع اشكال النضال التقليدية التي جربتها الجماهير الشعبية من قبل فأدركت بتجربتها عدم نجاعة هذه الاشكال في تغيير موازين القوى.

ان حركة احتلال الميادين والساحات ثمرة التجربة العملية للحركة الجماهيرية لتحقيق ما فشلت فيه المنظمات التقليدية خلال المواجهات مع الاستبداد والسياسات اللاشعبية . و بدل تجاهل هذه الحركات بدعوى طابعها العفوي وضبابية افقها السياسي ، اعادة النظر بشكل جدري في الإستراتيجية التقليدية (اشكال التعبئة و النضال والتنظيم) التي لم تجد لها اية مكانة في السيرورة الثورية الجارية.

وينطبق هذا على الاستراتيجية المتمحورة حول مركزية الإضراب العام ، كما ينطبق على استراتيجية الحرب الشعبية والكفاح المسلح. وينطبق بشكل اكبر على استراتيجية النضال الديمقراطي التي طبعت بعجزها معظم التنظيمات السياسية والاجتماعية خلال عقود الاستبداد والدكتاتورية. فاحد الخصائص المميزة لبلداننا دون استثناء ، تكمن في عدم وجود حركة عمالية كقوة اجتماعية وسياسية قادرة على تفجير التمرد الشعبي ومركزته من خلال الاضراب العام. كما تكمن في عدم وجود تجربة طويلة لأشكال التنظيم والدفاع الذاتي في الاوساط الشعبية يمكن الرهان على تطورها من العمل الشرعي والسلمي الى اشكال ارقى لمواجهة انظمة حاكمة قمعية ودموية. والاهم من ذلك غياب حياة سياسية حقيقية وعدم وجود مؤسسات تمثيلية (ولو شكلية) تسمح بالرهان على اختراق ديمقراطي يعزز من قوة ونفوذ المنظمات الشعبية .

لا يعني هذا اعتبار حركة احتلال الميادين والاعتصام في الساحات ، استراتيجية سياسية في حدا ذاتها. فحتى بتحولها الى عصيان وتمرد شعبي، تبقى غير كافية لتفكيك جهاز سلطة الطبقة الحاكمة ورسم « خارطة طريق ثورية  » لإقامة سلطة شعبية بديلة على المستوى الترابي والاقتصادي والمؤسساتي. وهنا يكمن دور ووظيفة القوى السياسية الثورية ومبرر وجودها. تسليح الحركة الشعبية بإستراتيجية سياسية ثورية.

فرغم الرفض الشعبي الواسع للحاكمين والمتحكمين في سلطة القرار ومختلف دواليب ادارة النظام القديم ، فان حركة احتلال الميادين والساحات لم تتمكن من حفز الجماهير على الشروع في ادارة وتسيير شؤونها بنفسها. كما لم تتمكن من خلق حالة ازدواجية السلطة و الانتقال من اطاحة النظام القديم الى اقامة نظام شعبي جديد. ورغم كون الجماهيرقد ابانت عن روح  إبداعية كبيرة وعبرت ، من خلال مظاهراتها ومسيراتها واعتصاماتها ، عن ارادتها في البروز كقوة سياسية مستقلة ، فإن اشكال النشاط والتنظيم الذاتي بقيت محدودة وجزئية ولم تتجاوز حدود  » الدفاعي الذاتي  » و لم تتطور في أي مكان إلى سلطة مضادة ولو بشكل جزئي ، فضلا عن اختفائها  بعد سقوط النظام.

و مرد هذا الضعف ليس هو محدودية ادوات الفعل المباشر والتنظيم الذاتي ، بل يجد تفسيره في معضلة تتجاوز حركة الجماهير نفسها.  يتعلق الامر بما سماه ماركس « صنمية الدولة » . فخلال مرحلة النضال المطلبي والدفاعي تستبطن الجماهير وهم التفوق الابدي لإرادة الدولة على ارادة الجماهير، فتصبح وظيفة المنظمات الجماهيرية محدودة بما يمكن ان تمنحه الدولة من تنازلات (تحقيق المطالب) ويصبح نظام اشتغالها مبرمجا وفق نظام اشتغال مؤسسات وأجهزة الدولة (الحوار والمفاوضات والاتفاقات).

وقد يتفاقم مرض الاستبطان الى حالة استيلاب في البلدان التي لعبت فيها الدولة دورا مركزيا في قمع حركة الجماهير او احتوائها. وقد تجسد ذلك في السيررورة الثورية الحالية من خلال مطالبة الدولة او احد مؤسساتها (الجيش في الحالة المصرية) بتحقيق اهداف الثورة وحمايتها.

نتيجة لضعف الوعي الثوري وغياب تقاليد النضال والتنظيم الشعبي المباشر لم يبرز خلال هذه السيرورة شبيها لما حدث في تجربة شعوب أمريكا اللاتينية ( الإستيلاء على منازل السكن و احتلال الشركات و الأراضي الزراعية ، خلق وسائل إعلام شعبية جماعية ، تشكيل لجان شعبية على مستوى الاحياء) اوالشروع في التسيير الذاتي للمعامل (كما حدث في الارجنتين) او قيام ادارة وحكومات ذاتية على مستوى الجماعات والأقاليم (كما حدث في اقليم شياباس).و هي وسائل وأشكال  تسمح للجماهير بادراك ملموس للبدائل الضرورية ، وتشكل فضاءات حرة ومستقلة يتملك فيها المستغَلون قيادة سيرورة ثورتهم  و يتعلمون فيها كيفية وطرق بناء أشكال أخرى من التنظيم الإجتماعي .

من خلال سيرورة ثورية قائمة على النشاط الذاتي ومتمحورة حول التنظيمات الشعبية الذاتية ومتجهة صوب التسيير والحكم الشعبي المباشر، تكتسب الجماهير الوعي الثوري وتدرك ان مهمة حماية الثورة وتحقيقها أهدافها ، بما في ذلك قمع الثورة المضادة وقواها، لا يمكن تفويضها الى جهاز الدولة البيروقراطي المنفصل عن حركتها ، بل هي مهمة تنظيماتها الذاتية . انذاك فقط تضمحل سلطة الدولة ومكانتها لتحل محلها سلطة الشعب.

صحيح ان هذه المختبرات والخبرة التحررية، لا تكفي من اجل توضيح وصياغة البدائل الشعبية المناهضة للمنطق السائد ، لكنها تشكل مرحلة ضرورية للقطع مع مرحلة الهزائم الثقيلة. و هي حلقة اساسية لإعادة تنظيم الحركة الجماهيرية وإرساء هيمنتها السياسية والمعنوية على السيرورة الثورية وتحقيق استقلالها السياسي عن مؤسسات الدولة وأحزابها.

تحديات التمفصل بين القديم والجديد

تباينت الآراء وتضاربت بشأن أسباب اندلاع الثورات الشعبية في العالم العربي. فهناك من يُصرّ على الطابع العفوي او شبه العفوي لهذه الثورات بحجة ضعف تأثير التنظيمات وقدرتها على تحريك الشارع وتأطيره. ويرجع البعض سر نجاح الانتفاضات الشعبية الى الدور الذي لعبته التكنولوجيا الحديثة ، التي سمحت ببروز اشكال تنظيمية جديدة ، شكلت مواقع التواصل الاجتماعي رافعتها.

صحيح ان التكنولوجيا الحديثة قد ساعدت على تخطي هاجس الخوف، وتحدي الرقابة وعدم الاكتراث بها. كما سمحت بنسج علاقات تنظيمية جديدة لعبت دوراً مهماً في نقل المعلومة وتبادلها وطرح المبادرات وتحريك الشارع و تأطير احتجاجاته. ومن جهة اخرى سمحت هذه التقنيات والأشكال للجيل الجديد بالتحرر من رتابة وهرمية الأشكال التنظيمية التقليدية.

لكن اندلاع انتفاضات شعبية لم يكن ممكنا لولا دور التنظيمات والحركات الاجتماعية والشعبية. واذا كانت المنظمات السياسية والنقابية المركزية لم تلعب دورا محوريا في تحريك الشارع وتنظيمه، فان ذلك لا ينفي دور التنظيمات المحلية والقاعدية وأهميتها في تحريك ودعم مظاهر الاحتجاج الشعبي. ففي تونس شكلت الاتحادات المحلية للاتحاد العام التونسي للشغل جسرا لتوسيع وتنسيق الحركة الاحتجاجية . وفي مصر لعبت حركة كفاية دورا هاما في نشر الوعي السياسي والاجتماعي بين المصريين، وتمكنت من تجميع طيف واسع من القوى السياسية والنقابية والحقوقية والمهنية على أرضية موحدة ومارست ضغوطا هائلة على نظام مبارك ونزعت عنه الهيبة التي كان يختبئ من ورائها.

صحيح انالمنظمات التقليدية لا تحضى بثقة المضطهدين والمستغلين،  لكن ملايين الفقراء والشباب والعمال والكادحين في القرى و الاحياء الشعبية لم تنخرط في الثورة عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي ومن خلال التكنولوجيا الحديثة، بل من خلال حركتها وفعلها المباشر ودون وساطة حزبية او نقابية او الكترونية.

هذا ما جعل  حركات إحتلال الميادين والساحات (في تونس ومصر واليمن والبحرين…) تتحول الى ما يشبه « مجلس شعبي دائم » . مجلس تصدر باسمه بيانات الثورة ومن داخله تناقش المطالب و تتخد القرارات. و قد فرض ذلك على الاحزاب والتيارات السياسية المنظمة تحديات جديدة (سياسية وتنظيمية) ليس اقلها القدرة على التكيف والانصهار مع حركات سياسية جماهيرية لا يمكن اختزالها في حزب او برنامج او اخضاعها لقيادة بعينها .

ان تشكل « حركات سياسية جماهيرية » لا تشكل امتدادا لحزب او تيار سياسي بعينه، ليست حالة ظرفية ومؤقتة، بل هي ثمرة تجربة تاريخية طويلة سابقة للثورة ، خاضت خلالها العديد من القطاعات الشعبية والعمالية تجربة الدفاع عن حقوقها ومصالحها من داخل المنظمات الحزبية والنقابية فأدركت بتجربتها الملموسة عدم قدرة هذه المنظمات على الدفاع عن مصالح الجماهير الشعبية الواسعة ، ليس فقط بسبب « خوصصة » هذه المنظمات من قبل نخب بيروقراطية مصالحها مندمجة بالأنظمة والطبقات السائدة، بل ايضا بسبب عدم قدرتها على دمج المطالب والتطلعات وأشكال التعبير الجديدة في مشروعها السياسي وبلورتها في  بديل سياسي شامل.

ان الثوريين يوجدون اليوم امام تحديات جديدة ستعيد النقاش حول مسالة الحزب الثوري وعلاقته بالحركات السياسية الجماهيرية الى مربع الصفر.

التمفصل بين الديمقراطية السياسية والمسالة الاجتماعية

هل من الحتمي توقف السيرورة الثورية عند سقف رحيل رموز الاستبداد وتغيير النظام السياسي؟

صحيح ان المسالة الديمقراطية شكلت محور السيرروة الثورية في العالم العربي ، لكن النضالات والمطالب الشعبية امتدت الى المسالة الاجتماعية. فاصطدام هذه النضالات والمطالب بالسلطة الاستبدادية وبالسياسات اللاشعبية ، جعل معركة التغيير الديمقراطي تتمفصل بمعركة التغيير الاجتماعي. وهذا ما عبرت عنه ثلاثية شعار « حرية ،كرامة ، عدالة اجتماعية » التي تعكس في نفس الان مطالب اجتماعية وتطلعات شعبية ديمقراطية . وهي مطالب وتطلعات لا يمكن تحقيقها بمجرد ازاحة بنعلي ومبارك وغيرهما من رموز الاستبداد او استبدال نخبة متسلطة بنخبة منتخبة. فهي مطالب وتطلعات تمس النظام السياسي والاجتماعي ككل وليس راس النظام او شكله. ولعل هذا ما يفسر استمرار الحركة الاحتجاجية الشعبية وعدم توقفها بعد اقرار دستور جديد وانتخابات جديدة.

وبغض النظر عن الحصيلة التي ستسفر عنها هذه السيرورة (تعميق المسلسل الثوري او اجهاضه) فان ديناميتها قد اتتبث مرة اخرى ، عدم وجود جدار فاصل بين ثورة ديمقراطية وثورة اجتماعية. واذا كانت هذه السيرورة لم تطرح بشكل مباشر مطلب تغيير نظام الملكية، فان مطلب تغيير نظام التسيير والرقابة كان في قلب العديد من الاضرابات والنضالات الشعبية ، بدءا من طرد المحافظين ومديري الشركات ورؤساء تحرير الصحف ومنع العديد من الوزراء من دخول مقر الوزارة وصولا الى سحب الثقة من رئيس الدولة (مرسي بمصر) و مؤسساتها (الحكومة والمجلس التأسيسي بتونس) . وهو ما يعكس الوعي الشعبي باستحالة تحقيق اهداف الثورة ، دون تغيير العلاقة بين المجتمع والدولة.

ففي مجتمعات تسود فيها الدكتاتورية وتحكم وتتداخل فيها السلطة الاستبدادية بالرقابة والوصاية على مختلف اوجه النشاط الاجتماعي والاقتصادي ، لا يمكن قيام سيادة شعبية فعلية بمجرد تغيير شكل النظام و الحكومة (الديمقراطية السياسية) بل يتجسد تحقيقها بمدى قدرة الشعب على استبدال رقابة الدولة على المجتمع برقابة المجتمع على الدولة من خلال سلطته الشعبية، وهو ما يعطي للديمقراطية في بلداننا مضموها الاجتماعي وبعدها الثوري.

وبتعبير اخر، بتعميق « الثورة السياسية من تحت » تنفتح افاق « التغيير الاجتماعي  » فتكتسب الثورة الديمقراطية مضمونها الاجتماعي وبعدها الطبقي و تخلق شروط اعادة تنظيم الحركة العمالية والشعبية وبروزها كقطب سياسي واجتماعي قائد وموجه لهذه لسيرورة الثورية الدائمة.

سلمية الاحتجاجات ام سلمية الثورة؟

صحيح ان الاحتجاجات الشعبية قد انطلقت بشكل سلمي في كل البلدان وصحيح ايضا ان الحركات الثورية حاولت الحفظ على الطابع السلمي للحركات الاحتجاجية ، تارة بهدف تحفيز المشاركة الشعبية الواسعة وثارة بهدف تحييد القوات المسلحة لعزل النواة الصلبة لنظام الحكم . لكن هذا النهج السلمي للاحتجاجات ولتكتيك الحركات الثورية ، لا يجب ان يقود بالضرورة الى اضفاء طابع السلمية على سيرورة ثورية لم تكن خالية في اي من اطوارها ، من مظاهر العنف والمقاومة االمسلحة. فسلمية الاحتجاجات الشعبية كانت ثمرة الظروف الخاصة التي كانت تجري فيها ولم تكن نتيجة التعاطي السلمي مع الحركة الاحتجاجية من قبل الاجهزة المسلحة للأنظمة. فأمام انتفاضة شعبية سريعة الانتشار و عدم شرعية الانظمة القائمة ، لم يكن بوسع هذه الانظمة التحكم في الحركة الشعبية من خلال جهاز الشرطة والجيش . وقد كانت بعض اجنحة الطبقة السائدة تدرك ان الدخول في مواجهة مسلحة مع حركة احتجاجية داث انغراس شعبي وشرعية اجتماعية وديمقراطية ، سينقل المواجهة من مربع اسقاط العائلات الحاكمة الى مربع اسقاط سلطة الطبقة السائدة ، مع ما يعنيه ذلك من تفكك لأجهزة ومؤسسات هذه السلطة (الدولة) .

لم يكن ادن الرهان على « الحل السلمي » لتجاوز ازمة السلطة دليلا على سلمية الطبقة السائدة ، بل كان رهانا هاجسه الرئيسي هو انقاد النظام بأقل تكلفة سياسية (التضحية بالعائلة الحاكمة لانقاد الدولة) . وقد نجح نسبيا هذا الرهان في الدول التي تتمتع فيها الطبقة السائدة باستقلال نسبي عن العائلات الحاكمة (تونس ومصر) وفشل في البلدان التي لا توجد فيها طبقة سائدة (ليبيا) اولا تتوفر فيه هذه الطبقات على ادوات ومؤسسات للتعبير عن استقلالها السياسي عن العائلات الحاكمة (سوريا) . اما في البحرين فقد تولت جيوش وقوات ممالك الخليج مهمة قمع الثورة الشعبية بعد ان بدت قوات النظام هناك غير قادرة على ذلك.

وبهذا المعنى لا يمكن الحديث هكذا عن سيرورة ثورية سلمية ، خاصة عندما تطرح هذه السيرورة على جدول اعمالها مهمة استبدال سلطة الطبقات السائدة بسلطة الطبقات الشعبية. فالوهم بسلمية الطبقة الحاكمة يمكن ان يقود الى تجريد الطبقات الشعبية من سلاح الدفاع الذاتي عن ثورتها وإرادتها وسلطتها (في حال قيامها).

المسالة تكمن فقط، على الاقل من وجهة نظرنا ، في كيفية ولحظة التمفصل بين انتفاضة شعبية انطلقت سلمية وادوات وأشكال الدفاع الذاتي . وهي مسالة تطرح في شروط وبأشكال مختلفة ولا يمكن اختزالها في اسلوب من الاساليب الماضية  » حرب شعبية او انتفاضة مسلحة ». لان حلها مرتبط بالشروط الملموسة وبدينامية السيرورة الثورية في كل لحظة من لحظات تطورها. وفي جميع الاحوال يجب ان يكون الهدف هو حماية الطابع الجماهيري والبعد الديمقراطي، التعددي والمدني للسيرورة الثورية. وهذا غير ممكن ، على الاقل من زاوية تكتيكية، دون شل الاجهزة القمعية للنظام في افق تفكيكها و اعادة تنظيمها بما يسمح باخضاعها لسلطة الشعب المدنية.

وتقدم التجربة السورية مثالا ملموسا على التعقيدات والتحديات التي تطرحها مسالة التمفصل بين الانتفاضة الشعبية المدنية والسلمية و اشكال و ادوات الدفاع الذاتي ، بما في ذلك اشكال النضال المسلح لمواجهة عنف طبقة حاكمة غير مستعدة للتنازل عن امتيازاتها وموقعها في السلطة ، وفي نفس الان مواجهة الميليشيات والادرع المسلحة للقوى الرجعية والامبريالية المعادية للثورة الشعبية.

تحديات ما بعد سقوط خلافة الاسلاميين

تمثل هزيمة الاخوان المسلمين في مصر وبروز معارضة شعبية لنظام حكمهم في تركيا وتونس ، مقدمة لهزيمة تاريخية  للتيار الديني الرجعي في المنطقة. فهزيمة اقدم جماعة دينية وأكثرها شعبية من قبل حركة شعبية ستكون لها تداعيات ونتائج سياسية على مستوى التيار الاسلامي ككل وفي عموم المنطقة. وبعيدا عن القراءات السطحية والتحليلات الصحفية، تعكس هزيمة الاخوان المسلمين الترجمة السياسية لدينامية المسالة الاجتماعية ومكانتها في السيرورة الثورية الجارية. فرفض كل اشكال الحكم المحتقرة لإرادة الشعوب والمعاكسة لتطلعاتها الديمقراطية والاجتماعية ، سواء كانت هذه الاشكال مغلفة برداء ايديولوجي ديني او قومي هو عنوان مرحلة جديدة في سيرورة ثورية مستمرة. وهذا ما لم يدركه تيار الاخوان المسلمين الذي اعتقد بنهاية السيرورة الثورية بوصوله الى الحكم. لكن ما لم يدركه تيار الاخوان المسلمين ، ادركته قوى النظام القديم التي تحاول ركوب الموجة الثورية الثانية ، بدل معاكستها، لإجهاض السيرورة الثورية والالتفاف على قواها ومطالبها.

وما يهمنا هنا ليس هو نقاش تناقضات وتحديات الموجة الثانية ، بل سنكتفي بتسليط الضوء على بعض الدروس التي تمخضت عنها .

لقد ابانت هذه الموجة الثانية ، ان ليس هناك من علاقة راسخة وأبدية بين الاعتقاد الديني والسلوك السياسي لدى الجماهير الشعبية المتدينة. واذا كان ضروريا اخد المعتقدات الدينية الشعبية بعين الاعتبار لكسب الجماهير الشعبية الى المشروع الديمقراطي الثوري ( بما في ذلك القاعدة الاجتماعية للتيارات السياسية الدينية) ، فان تحقيق هذا الهدف لا يمر بالضرورة عبر التحالف مع قيادات هذه التيارات.

وبالمقابل، اذا كان ضروريا بناء تحالفات وجبهات واسعة لعزل التيارات الدينية الرجعية ، فان بناء هذه التحالفات على قاعدة مناهضة التيارات الدينية الرجعية فقط ، يمكن ان يقود الى نتائج عكسية ، خاصة اذا كانت تضم  قوى سياسية منحدرة من النظام القديم. فهي تحالفات يمكن ان تعطي نفسا جديدا للتيارات الدينية الرجعية التي ستحاول استعادة نفوذها السياسي وسط الجماهير تحت ذريعة مقاومة عودة النظام القديم. كما ستحاول اخفاء هزيمتها السياسية ، بالهجوم على اليسار لإضعاف نفوذه باتهامه بالتعاون مع قوى النظام القديم لمحاربة الاسلام والشريعة.

ان التحالف مع قوى سياسية من قبيل نداء تونس او جبهة انقاد عمر موسى والبرادعي، ناهيك عن دعم العسكر في انقلابه على حلفائه من الاسلاميين او الاصطفاف الى جانب الأنظمة بدريعة  » محاربة الإرهاب  » سيضع الحركة الجماهيرية امام مأزق غياب بديل سياسي مختلف عن حكم الاسلاميين و مناهض لعودة النظام القديم.

صحيح ان الظروف قد تفرض تارة « الاكل مع الشيطان على نفس المائدة  » ( حسب تعبير لينين)  لكن لا يجب ان ننسى ان يد الشيطان (سواء تقمص صورة الامام او صورة الجنرال) هي اطول من يد اليسار. فالمهام المطروحة، خلال الموجة الثانية من السيرورة الثورية ، ليست مجرد مهام تكتيكية تبرر سياسة « التحالف مع عدو عدوي  » ، بل تتعداها الى مهام استراتيجية وفي مقدمتها مسالة السلطة. وعلى هذا المستوى، فقد ابانت الموجة الاولى كما الثانية من المسلسل الثوري ، عن عدم امتلاك اليسار الثوري لإستراتيجية عملية لانتزاع السلطة السياسية من قبل الطبقات الشعبية . هذا ما يجعل هذه التحالفات والجبهات محفوفة بالمخاطر السياسية . ومن شانها حصر دور اليسار في وضع الداعم (ولو بشكل نقدي) لتداول سلمي او تناحري على السلطة السياسية بين مختلف اقطاب الطبقات السائدة.

ان احد اكبر الاخطاء التي يمكن ان ترتكبها قوى اليسار هو المشاركة في هذه التحالفات والجبهات على قاعدة « ارضية سياسية مشتركة  » تخفي المسالة الاجتماعية (موضوع التناقض مع هذه القوى) او تلحق الحركة الجماهيرية والنضالات الشعبية بعربة المؤسسات النيابية او تخضعها لأجندتها الانتخابية.

ان كل مشاركة مشروطة بتخلي اليسارعن استقلاليته وحريته في المبادرة او تنازله الطوعي عن الاهداف والمطالب الاجتماعية الطبقية الخاصة  باسم « مطالب وأهداف  سياسية عامة  »  هي مشاركة مفتوحة على تكرار اسوء السيناريوهات في التاريخ السياسي لليسار : هزيمة على قاعدة  « برنامج سياسي حد أدنى  » بواسطة  « حكومة وحدة وطنية ».

اليسار والثورة السورية

تعكس المواقف المتباينة والمتعارضة تارة في صفوف اليسار، بما فيه الثوري ، من السيرورة الثورية في سوريا ، تخبطا في التحليل وضبابية في الرؤية. فهناك من استبدل منهج الصراع الطبقي بمنهج صراع « المعسكرات » الدولية والإقليمية ليتبنى صراحة نظرية  » عدو عدوي صديقي » ، فذهب إلى حد الدفاع عن النظام السوري والاصطفاف الى جانب روسيا والصين وإيران وحزب الله الذين يمثلون في نظره  » معسكر مقاومة الامبريالية  والصهيونية  » . وهناك من يدافع عن الميليشيات المسلحة التي تقاتل تحت الطلب بتمويل خليجي وتسليح امبريالي وقاعدة خلفية تركية ، والاصطفاف الى جانب ممالك الخليج والحكومات الامبريالية التي تمثل في نظره « معسكر الديمقراطية ومكافحة الدكتاتورية  » وذهب الى حد المطالبة بتدخلها العسكري لاسقاط النظام السوري.

وهناك قسم من اليسار يعتقد ان ما يجري في سوريا هو جزء من « مخطط  » يشمل المنطقة برمتها و يندرج ضمن « مشروع الشرق الاوسط الكبير » الذي يخدم المصالح الامريكية والصهيونية بالمنطقة. ويستنتج من ذلك ، ان هزيمة النظام السوري ستشكل ضربة قوية للمقاومة الفلسطينية ولطموحات شعوب المنطقة في الوحدة والتحرر القوميين.

أما الذين لا يذهبون الى هذا الحد من التخبط والضبابية ، فيعتبرون أن ما يجري كان في بداية الأمر إنتفاضة شعبية، لكن المسار انحرف لاحقا بعد دخول مجموعات مسلحة مرتبطة بالدول الرجعية في المنطقة على الخط. وهولاء يتمنون انتصار النظام أو الوصول إلى حل سياسي ، لتتوقف الحرب و يستأنف النضال بأشكال أخرى.

ان المشترك بين هذه المواقف المتباينة والمتعارضة هو رؤيتها المثالية للسيرورة الثورية . ودون الخوض في تفاصيل هذه الرؤية المثالية سنستعرض نتائجها السياسية العقيمة.

فإنتصار النظام السوري سيكون بمثابة هزيمة للشعب السوري و مقدمة لإرساء ديكتاتورية حديدية قادرة على سحق كل محاولات الاحتجاج لاحقا. كما سيقوض هذا الانتصار هوامش وجود المعارضة السياسية وفي مقدمتها طبعا المعارضة الديمقراطية والثورية. و سيكون هذا الانتصار بمثابة اعلان عن وقف السيرورة الثورية لمرحلة طويلة في المنطقة ككل. فهو لن يكون انتصارا للنظام السوري فحسب ، بل ايضا انتصار للأنظمة الدكتاتورية جميعها. وهو ما سيعزز قوتها وإرادتها  في سحق انتفاضة شعوبها.

اما هزيمة النظام السوري فلا تعني بالضرورة انتصار القوى الرجعية المضادة للثورة. وبغض النظر عن النتائج المباشرة لسقوط النظام السوري (وهذا متوقف ايضا على دور القوى الديمقراطية والثورية وليس على دور التيارات الرجعية والميليشيات الارهابية) فهو سيفتح مرحلة جديدة من التناقضات، ستبقى  فيها التطلعات الديمقراطية والإجتماعية  التي إنتفض من أجلها الشعب السوري مستمرة . وهي قاعدة موضوعية لتوسع القوى الثورية وتعزيز انغراسها الشعبي وتحسين نقط ارتكازها تحضيرا لانطلاقة جديدة .

لا يعني هذا تجاهل المخاطر المحدقة و سعي الإمبريالية و الدول الرجعية إلى فرض حل سياسي او عسكري يخدم مصالحها، لكن ليس من رهان اخر امام اليسار الثوري السوري غير الرهان على انتصار المقاومة الشعبية بغض النظر عن طبيعة القوى المنخرطة في هذه المقاومة. اما دور اليسار الثوري العربي والعالمي فهو واضح : التضامن الاممي النشيط واللامشروط مع انتفاضة الشعب السوري ودعم القوى الثورية بالمال والسلاح وبكل الوسائل الممكنة.

المغرب :  سيرورة ثورية معاقة

لا يسمح المجال المخصص لهذا المقال بإعادة التذكير بتقييمنا لحركة 20 فبراير او التطرق لمسالة المهام التي نراها ضرورية في الفترة الراهنة، وسنكتفي بإبداء بعض الملاحظات السريعة.

لا تختلف حركة 20 فبراير من حيث جذورها وأسبابها وقاعدتها الاجتماعية عن الحركات الشعبية التي عمت المنطقة برمتها. فالأسباب التي حفزت نزول الناس الى الميادين والشوارع هي نفسها : رفض ظروف العيش وقمع الحريات .

وتمثل حركة 20 فبراير تعبيرا عن مخاض تشكل حركة شعبية واسعة غير قابلة للاختزال في ارضية تأسيسية او ملف مطلبي او نداء للتظاهر في الشارع العام. وبتركيز اكثر، لا يمكن اختزال حركة 20 فبراير في القوى السياسية والاجتماعية الداعمة او المنخرطة في هذه الحركة.

وما وقع في المغرب هو اختزال « حركة سياسية جماهيرية » في  الاحزاب والتيارات السياسية.  فبوعي أو بدونه (وهذا ليس مهما) إختزلت قوى « مجلس الدعم » حركة 20 فبراير  في مطالب سياسية شكل  » الدستور الديمقراطي » شعاراها المركزي. واذا كانت هذه المطالب تمثل، من وجهة نظر هذه القوى، مفتاح تغيير النظام السياسي أو إصلاحه (حسب كل مكون) فانها لم تكن تعكس في الواقع  محور المواجهة بين الشعب والنظام ولم تكن، بغض النظر عن صوابها من عدمه،  تجسد الإرادة الشعبية.

فالاغالبية الواسعة، بما في ذلك اعضاء ومناضلي القوى السياسية، لم تكن تنظر إلى هذه المطلب كرافعة لحركتها الاحتجاجية ومفتاحا للتغيير السياسي والاجتماعي . فالقاعدة الواسعة للحركة لم يسبق لها خوض معركة سياسية ضد النظام على هذا المستوى وهي وغير واثقة من امكانية التغيير السياسي والاجتماعي من خلال التغييرالدستوري. اما طلائع الحركة فقد كانت تدرك ، سواء من خلال تجربتها اومن خلال حصيلة تجربة المعارضة السياسية ، ان التغيير يتجسد في تغيير النظام ، وان تحقيق هذا الهدف، أي القضاء على اسباب القمع والقهر الاجتماعي (الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية) غير ممكن دون خوض مواجهة مباشرة مع النظام وأجهزته القمعية.  وهي مواجهة لم تكن تتوفر شروطها الذاتية. وفي مقدمة هذه الشروط توفر القوى السياسية الداعمة للحركة على القدرة والإرادة لخلق ازمة سياسية تفضي الى هذه المواجهة.

و من زاوية تكتيكية ، لم تصبح مسالة الدستور و المجلس التأسيسي في تونس ومصر، مطلبا شعبيا الا بعد سقوط النظام. فانذاك فقط ادركت الجماهير العلاقة بين تحقيق مطالبها الاجتماعية وتطلعاتها الديمقراطية وهدف التأسيس لنظام ديمقراطي يكفل الحقوق الديمقراطية والاجتماعية ويحقق اهداف الثورة.

صحيح أن شعار « الشعب يريد إسقاط النظام » لم يطرح منذ الأيام الأولى في هذين البلدين و في غيرهما،  لكن تجدر الحركة الجماهيرية وتوسعها وتجدير أشكال نضالها سيغذي دينامية المواجهة الشاملة مع النظام.

لقد كان شعار « الشعب يريد إسقاط النظام » يمثل في نفس الان  نتيجة وسبب في مسار تطور المواجهة بين الجماهير و النظام ، مما جعل مطلب المجلس التأسيسي و الدستور الديمقراطي يتحول الى شعار جامع وموحد للحركة ويعكس تشكل ارادة شعبية  للتغيير « الان وهنا ». اما في المغرب فق طرح مطلب الدستور الديمقراطي مفصولا عن هدف اسقاط النظام.

أما الملاحظة الثانية فهي مرتبطة ببناء الحركة. فبغض النظر عن نوعية العلاقة بين المنظمات السياسية والحركات الجماهيرية، فإن تطوير وضعية ثورية مفتوحة على أزمة شاملة للنظام ، او على الاقل خلق أزمة سياسية، يحتاج إلى أكثر من تراكم كمي لعدد المظاهرات والمتظاهرين. فالوصول الى هذه الوضعية السياسية يتوقف على حدوث تحول نوعي وسريع داخل الحركة الاحتجاجية.

وبغض النظر عن الشكل الملموس للنضالات الشعبية  (اعتصام، عصيان مدني، اضراب جماهيري او انتفاضة شعبية) فان هذا التحول يعكس ايضا تغييرا نوعيا في موازين القوى على مستويين : على مستوى  العلاقة بين السلطة والحركة الاحتجاجية من جهة ،وعلى مستوى العلاقة بين الحركة الجماهيرية والقيادات المحافظة و الاصلاحية من جهة اخرى.

و لعل احد أكبر نقط ضعف حركة 20 فبراير، هي عدم قدرتها على تغيير موازين القوى على هذين المستويين. وهو ما شكل عائقا امام تحول نوعي في مسار الحركة.

هناك اسباب عديدة يمكن ان تفسرذلك. لكن اهم هذه الاسباب تبقى في نظرنا ، عدم قدرة الحركة على ايجاد الشكل النضالي والتنظيمي الملائم لمركزة الاحتجاجات والمسيرات التي تطورت بوثيرة عكسية (  يومية ، اسبوعية  فشهرية….) مما ساعد النظام على استنزاف الحركة دون تكلفة سياسية . ومن جهة اخرى عدم قدرة الحركة على فرض دينامية (نضالية وتنظيمية) خاصة بها ، مما جعلها تبقى خاضعة لأجندة ودينامية مكونات « مجلس الدعم » .

طبعا، لم يكن المطلوب هو التدخل من خارج الحركة لمركزتها بشكل قسري، بل كان المطلوب، خاصة من القوى السياسية التي من مصلحتها وأهدافها تطوير الحركة ، هو مساعدة الحركة على بناء وتقوية تنظيماتها وأدواتها الخاصة وتوفير الامكانيات الضرورية لتنسيق فعلها ،على مستوى محلي و وطني . مع ما يستلزم ذلك من  صراع سياسي ضد القوى السياسية الاصلاحية والمحافظة التي كانت تسعى من البداية الى احتواء الحركة وإخضاعها لأجندتها السياسية.

نحن لا نبخس حجم المشاكل والتعقيدات التي تعترض عملية بناء حركة سياسية جماهيرية  (العلاقة بين وحدة العمل الشعبي و وحدة التنظيمات والتيارات السياسية ودورالقوى الثورية نفسها وعلاقتها بأدوات الفعل الجماهيري….) لكن الرهان على « وحدة التنظيمات » بدل الرهان على « وحدة الحركة » ليس هو الطريقالسهللتجاوز هذه التعقيدات . فالوحدة هي دوما سلاح دو حدين، فقد تكون رافعة لوحدة الحركة ، كما يمكن ان تكون عاملا كابحا لها . وهي في كل الأحوال ، غير كافية لتطوير حركة جماهيرية مستقلة. خاصة عندما يكون على راس هذه الوحدة ، أجهزة تنظيمية ، إرتباطها العضوي  بالجماهير ارتباط سطحي و منظورها لحركة الجماهير منظور وظيفي و ادواتي .

ان الوحدة في هذه الشروط لا تنمي كفاحية العمل الجماهيري ، بل كثيرا ما تغذي الاحباط والتردد ، ولا تساعد على تطوير وحدة الحركة ،  بقدر ما تحد من وحدة الحركة ومن انضمام ومشاركة الجماهير.

أما الملاحظة الثالثة فهي مرتبطة بموضوع الإستراتيجية النضالية. فبغض النظر عن تعدد الأشكال و اختلاف  الوتيرة ، فإن إحدى أكبر اسهامات  السيرورة الثورية في العالم العربي،  تتمثل في تطوير استراتيجية   » الشل الكامل للبلد » لفرض ميزان قوى جديد على الارض وعلى مستوى شامل. فبهذه الوسيلة تمكنت الجماهير الشعبية (بغض النظر عن موقعها في مسلسل الانتاج ووزنها داخل المؤسسات) من فرض شرعية سياسية بديلة لشرعية النظام .

وخلافا لهذه الاستراتيجية، استمرت كل الاشكال الاحتجاجية في المغرب محصورة من البداية إلى النهاية ، في تنظيم مظاهرات أسبوعية أو شهرية . وهي اشكال تندرج ضمن رؤية استراتيجية دفاعية لا يمكنها تغيير موازين القوى ازاء السلطة الحاكمة. و هي استراتيجية لا تهدف حتى الى مراكمة شروط الانتقال الى استراتجية هجومية.  و لعل هذا ما يفسر رفض كل الشعارات وكل اشكال النضال الهجومية (الاعتصام المركزي، فتح جبهات اخرى على النظام ، شل الطرق والمواصلات….)

يمكن الاختلاف حول حدود الممكن وغير الممكن خلال لحظة معينة في اطار نفس الرؤية الاستراتيجية ، والالتزام بما ستحسمه الحركة بشكل ديمقراطي من داخل ديناميتها وبنياتها الداخلية ، لكنه لا يمكن الخلط بين رؤيتين استراتيجيتين متعارضتين : رؤية هدفها النهائي إصلاح جزئي وشكلي لنمط الحكم ورؤية هدفها النهائي تغيير جدري لنظام الحكم.

ان غياب رؤية استراتيجية موحدة داخل الحركة والتناقضات العميقة والاستراتيجية بين مكونات مجلس الدعم ، شكل أحد العوامل الرئيسية لتيه الحركة وعدم وضوح اهدافها لمباشرة والبعيدة. ويفضح انسحاب جماعة العدل والإحسان ، استعداد هذا الجماعة مند البداية للتنازل عن الحركة مقابل الحصول على تنازلات من قبل النظام وفق ما يرتضيه حلفاؤها و ممولوها. وقد كان واضحا مند البداية اجماع دول الخليج والحكومات الامبريالية على دعم النظام سياسيا وماليا وعسكريا لمواجهة كل المخاطر المحتملة. فهل كان بمقدور جماعة العدل والاحسان ركوب موجة ثورية معاكسة لأجندة حلفائها ومموليها؟ الم ينسحب حزب النور السلفي في مصر من التحالف الداعم لمرسي ، مباشرة بعد تغيير المملكة السعودية لموقفها من حكم جماعة الاخوان المسلمين؟

لحسابات وأهداف مختلفة ، لم تكن القوى السياسية المهيمنة داخل حركة 20 فبراير ترغب في خوض مواجهة مع النظام ولم يكن ضمن اهدافها خلق أزمة سياسية، وقد كانت تتحرك في حدود هامش التحرك المسموح به من قبل النظام والمسيج ماليا وسياسيا من قبل القوى الرجعية والامبريالية . بالمقابل لم تكن الحركة قادرة على تجاوز الحدود التي رسمتها القوى السياسية الاكثر تنظيما وتمويلا وعتادا. و السؤال المطروح هو: لماذا ستواصل القطاعات الشعبية مظاهراتها كل اسبوع أو كل شهر إذا كان ذلك لا يقود إلى التغيير أو على الاقل تحقيق مكاسب جزئية و ملموسة؟

ان اسباب اخفاق اليسار في توفير شروط تحول نوعي لموازين القوى داخل الحركة و خارجها ، يتجاوز حدود عمر وتجربة حركة 20 فبراير، و هي اسباب تجد جذورها في حصيلة توجهاته واختياراته وتكتيكاته داخل النقابات والحركات الإجتماعية، و الأحياء الشعبية. ويمكن تركيز هذه الاسباب في غياب رؤية واضحة حول كيفية بناء موازين قوى جديدة، على المستوى السياسي والاجتماعي وغياب أي تفكير او تحضير لخوض مواجهة شاملة مع النظام. أي غياب أي تفكير استراتيجي حول الطريق الممكن لانتفاضة شعبية ممكنة تقود الى ثورة ضرورية.

 مراجع :

     العالم العربي : وضع جديد

2-     التوزيع العادل للثروة في صلب المعركة الديمقراطية

3-     اليسار الجذري وحركة 20 فبراير

4-     في قلب حركة 20 فبراير لكن برؤية اشتراكية ثورية

على الموقع الفرعي لحركة التضامن

From → Uncategorized

Laisser un commentaire

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :